أحمد مصطفى المراغي

141

تفسير المراغي

ورسوله وبما جاءهم به من عنده في آذانهم ثقل عن استماع هذا القرآن فلا يستمعون له بل يعرضون عنه ، وهو عليهم عمى فلا يبصرون حججه ومواعظه . ونحو الآية قوله في وصفه « وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً » . ثم مثل حالهم باعتبار عدم فهمهم له بحال من ينادى من مكان بعيد لا يسمع من يناديه فقال : ( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) قال الفراء تقول العرب للرجل الذي لا يفهم كلامك : أنت تنادى من مكان بعيد ، ولثاقب الرأي : إنك لتأخذ الأمور من مكان قريب ، شبّهت حال هؤلاء المكذبين في عدم فهمهم وانتفاعهم بما دعوا إليه ، بحال من ينادى من مسافة نائية لا يسمع الصوت ولا يفهم تفاصيله ولا معانيه . ثم بين أن هؤلاء المكذبين ليسوا بدعا بين الأمم في تكذيبهم بالقرآن ، فقد اختلف من قبلهم في التوراة فقال : ( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) أي ولقد أرسلنا موسى وآتيناه التوراة فاختلفوا فيها ، فمن مصدّق بها ومن مكذب ، وهكذا شأن قومك معك ، فمن مصدق بكتابك ومن مكذّب به ، فلا تأس على ما فعلوا معك ، واسلك سبيل أولى العزم من الرسل صلوات اللّه عليهم أجمعين فقد أوذوا فصبروا وكان النصر حليفهم ، والتوفيق أليفهم وكتب اللّه لهم الفلج والفوز على أعدائهم المشركين ، وأهلك اللّه القوم الظالمين . ثم أخبر سبحانه أنه أخر عذابهم إلى حين ولم يعاجلهم بالعقاب على ما اجترحوا من تكذيب الرسول وجحدهم بكتابه فقال : ( وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) أي ولولا ما سبق من قضاء اللّه وحكمه فيهم من تأخير عذابهم إلى يوم القيامة بنحو قوله : « بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ » وقوله : « وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » * لعجّل الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه بإهلاك المكذبين كما فعل بمكذبى الأمم السالفة .